السيد محمد تقي المدرسي

48

في رحاب القرآن

سرّ خلود القرآن القرآن كتاب الخلود ، فهو يبقى مع الزمن ويتحرك أمامه ، بينما الحياة تتطور ، والناس يختلفون ، والأجيال تخلّف أجيالًا . والعلة في ذلك هي أن القرآن يحدثنا عن السنن الإلهية الثابتة ، ولا يحدثنا عن الأحكام والتشريعات المتغيرة فلا تجد في الكتاب الكريم آية ، إلا وتجدها ثابتة دائمة . وحتى أن الحديث عن الأمم السابقة ، فهو حديث عن الحياة العامة والتأريخ البشري الثابت وما فيه من عبر باقية وسنن إلهية جرت في الماضين وستجري في اللاحقين إلى يوم القيامة ، لأنها سنن غير قابلة للتبديل أو التحويل ؛ تماماً كما هو أصل وسنّة لبس الثياب الثابتة بغض النظر عما يتغير من اشكال وموضات الثياب وطريقة لبسها ، أو كما هو الأصل والسنة في احتياج الإنسان للطعام والشراب رغم تنوعهما أو طريقة تناولهما وتغيرهما بتغير الزمن والأشخاص . إذن ؛ فالسنن الإلهية سنن ثابتة ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التشريعات القرآنية ، فهي تشريعات ثابتة على الرغم من وجود التفاوت في تفسيراتها وتأويلاتها وتطبيقاتها . فالقرآن الذي يأمرنا بالالتزام بأصل اقتصادي ثابت وهو الوفاء بالعقود ، لا يهتم بالإشارة إلى أي عقدٍ منها ، لأنها تختلف باختلاف الزمن . وكذلك حينما يقول : ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) « 1 » فإنه يأمرنا بالنزاهة والأمانة وعدم الاعتداء على ممتلكات وحقوق الآخرين ، وفي الوقت ذاته يأمرنا بأصل آخر نفهمه من الآية . وهو أن يكون التراضي محور العمل

--> ( 1 ) البقرة / 188 .